كيفية التسويق عبر المحتوى المجانيّ

للتسويق أساليب متعدِّدة، وإذ إننا نتحدَّث عن تسويق الدورات التعليمية والمحتوى التعليمي/التدريبي، من المناسب جدًّا أن نتحدَّث عما يتماشى معها من هذه الطرق: التسويق عبر المحتوى المجانيّ.

كنا قد تحدَّثنا عن هذا النوع من التسويق وأهميَّته في دليلنا إلى تسويق الدورات، وفي دليلنا عن الويبينار. أمَّا اليوم فنأخذ الصورة الأشمل لهذا النوع من التسويق تحديدًا، ومدى فائدته التي يقدِّمها لمن يقدِّم هذا النوع من المحتوى على الإنترنت.

أوَّلًا: أهمية المحتوى المجانيّ

كلُّنا يعرف دون أن يحتاج إلى إخبارٍ من أحد أن المحتوى المجانيّ محبَّبٌ إلى النَّاس؛ في حالة المحتوى المدفوع، لا بُدّ أن يقتنع الناس أصلًا أن هذا النوع من المحتوى يستحقّ الدَّفع، لكن الناس -عمومًا- يرتاحون للمحتوى المجانيّ، خصوصًا إن عرفوا أنَّ هذا النوع من المحتوى نفسه يُمكن أن يُباع في أماكن أخرى.

ثمَّة منصاتٌ اليوم مثلًا تبيع المقالات واللقاءات الصحفية، منصَّة The Athletic الرياضية الأمريكية تُقدِّم أخبارها عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ مجانًا، لكنها تشترط لقراءة مقالاتها -عدا عيِّنة بسيطة من كلِّ مقال- الاشتراكَ الدوريّ.

في العالم العربيّ، صحيفة القبس الكويتيَّة تشترط للوصول المبكِّر إلى بعض برامجها الاشتراك الدوري فيها أيضًا، وتطرح هذه البرامج مجانًا للعلن على يوتيوب بعد مدّةٍ من الوصول الحصريّ لمشتركيها فقط في التطبيق أو الموقع.

ماذا تلاحظ في كلا المثالين؟ الجواب واضح: كلاهما يستعمل المحتوى المجانيّ وسيلةً للمحتوى المدفوع، لو دخلت إلى حساب The Athletic على تويتر أو إلى حسابات صحفييها المختلفين المتوزعين على كافة الرياضات التي تغطيها المنصة، ستجد الأخبار مجانيَّة، وكذا لو دخلت إلى قناتها على اليوتيوب ستجد مقابلاتٍ مجانيَّة.

صحيفة القبس الكويتيَّة تنتهج النهج نفسه؛ كما قلنا: بعد فترةٍ تُطرح هذه البرامج للوصول العام المجانيّ، وهذا يُشجّع من خاض تجربةً حسنةً مع القناة، أن يشترك في تطبيقها ليصل سريعًا للمحتوى القادم المهم بالنسبة له.

أكثر من ذلك: تنشر صحيفة القبس الكويتية مقاطعَ من اللقاءات المدفوعة، لتُوقِف المستخدِمَ على ما يفوتُه الآن من لقاءات.

ثمةَ بالتأكيد محتوياتٌ تبقى حصرًا للمشتركين.

بالطبع، لستَ في قوّة الآثليتيك ولا صحيفة القبس، أنتَ شخصٌ واحدٌ بإمكانياتٍ أقلّ، لكن هذا لا يعني أن هذه الفكرة مقصورةٌ على المنصات الكبيرة، بل هي للجميع، وكلَّما أتقنتَ هذه المهمة تضاعف الرِّبح الحاصل من ورائها، والأهمّ في ذلك كله أن مثل هذه الخطوة تُثبت للمستخدم أن ثمة ما يستحقّ الدَّفع من أجله عندك.

الغرض من وراء المحتوى المجانيّ المطروح بناءُ الثقة مع المُستخدِم (في حالتنا: الطالب)؛ بناءُ ثقته بحجم المعلومات عندك، وبأسلوب طرحك، وباستحقاقِ محتواك للدَّفع، إلى غير ذلك مما يتطوَّرُ بين الطالب والمعلِّم تحديدًا ههنا لكوننا نتحدَّث عن دوراتٍ تعليميَّةٍ. بعبارةٍ أوضح: المحتوى المجانيّ يساهم في بناء الصورة الذاتية.

لنقُل إنَّك تريد تقديم دورةٍ عن كيفيَّة استعمال علامات التَّرقيم ودورها في زيادة نسبة الرضا بين القراء على المقالة، بوسعك أن تكتب مقالةً حول تأثير علامات الترقيم ونشوئها وتطوُّرها، وكيف يُمكن لها أن تُحسِّن من استقبال القراء للمقالات؛ أيْ: تُعطي عيَّنةً مِن دورتك للقارئ يولِّد فيه الاهتمام الدافع له ليشترك في دورتك.

مقالٌ كهذا سيُدخل القارئ في “رحلة المشتري – A Buyer’s Journey” التي شرحناها سابقًا؛ وسيضع شراء محتواك بعين الاعتبار.

لا يقتصرُ المحتوى المجانيّ على المقالات؛ ثمَّة أمثلةٌ كثيرةٌ: يُمكنك أن تشارك في بودكاست، أو تُنتج مقطعًا قصيرًا على يوتيوب، أو تُنشئ ندوةً على الإنترنت المهمّ في كلِّ ذلك أن يكون المحتوى المجانيّ مفهومًا وثابتًا؛ والمقصود بالثَّابت: أيْ لا يصعب البحث عنه كتغريدةٍ في تويتر، هذا لا يُمكن الاكتفاء به لكن من النافع أن يُضمّ إلى الأشكال الثابتة.

من المهم ملاحظة عدَّةِ أمورٍ في تقديم هذا النوع من المحتوى.

المحتوى المجانيّ: ماذا عليك أن تراعي حال نشره؟

التقنيَّات التي يُمكن استخدامها لتعزيز فُرص نجاح المحتوى المجانيّ كثيرة، لكنْ قبلَ كلِّ شيء: الأهمّ أن يظهر -في محتواك المجانيّ- أنَّكَ صاحب محتوى مدفوع، لا يصلُحُ أن يظنَّك الناس محضَ مدوِّن، ينبغي أن يعرفوا أن هذه المقالة، أو ما يشبهها، مثالٌ على ما يُمكن أن يجنوه من وراء محتواك المدفوع.

في الوقت نفسِه، ينبغي أن لا تكون لحوحًا بحيثُ يبدو التسويق محشورًا في محتواك المجانيّ، القاعدة الذهبيَّة ههنا: أنَّ المحتوى الجيِّد يؤدِّي الغرض تامًّا في التسويق دون الحاجة إلى شيءٍ آخر سوى المعرفة بوجود المحتوى المدفوع، وأنَّ المجانيّ -كما أسلفنا- عيِّنةٌ من المدفوع.

هذا ينطبق على المقالات، والفيديوهات، والبودكاستات، وغيرِها. يُمكن أن تبدو معلومةُ كونِك تُقدِّم دورةً في الشأن نفسه الذي تُقدِّم فيه محتوى مجانيّ، سَلِسةً ومتماشيةً مع السياق تمامًا دون إقحام.

بوسعك أن تقولَ مثلًا خلال حديثك عن موضوعٍ ما: “وهو ما أحاوِلُ في دورتي أن أحلَّ مشكلته”، هكذا تَصِلُ للقارئ فكرةُ أنّ وجود دورةٍ موضوعٌ منتهٍ ومؤسَّس؛ لا يعدو الأمرُ كونَه يعلم للتو بخصوصها.

بالطَّبع، لا ينبغي أن تحتوي مقالاتك كلُّها على هذا التلميح، ليس كلُّ ما تكتب فيه الآن عندك فيه دورة، ينبغي عليك أن تتجاوز هذا؛ كلَّما زاد ما تقدِّمه من المحتوى المجانيّ زاد ارتباط المستخدم بك وزادت ثقته، المهم أن يكون محتواك ذا جودة، لا أن يكون ضعيفًا. تذكَّر، أنت تقول للزبون المحتمل: هذه عيِّنةٌ من الجودة التي عندي.

لا بُدَّ أن يكون لديك منصَّةٌ لكتاباتك، سواءٌ مدوَّنةٌ شخصيَّةٌ أو قسمٌ للمقالات في موقعك الشخصيّ (أكاديميَّتك) نفسها، هذا أمرٌ بالغ الأهميَّة.

تُشير الإحصاءات إلى أنَّ 77 مليون تدوينةٍ تُنشر شهريًّا على ووردبريس، وأنّ 77% من المستخدمين على الإنترنت يقرؤون التدوينات.

اليوم، التدوين والتسويق بالمحتوى – Content Marketing من أشهر طرق التسويق وأنجحها، يكفيك أن تعلمَ أن الشركات والمنصات العالمية، كمنصَّة Steam للألعاب، المملوكة لشركة Valve، وشركة الألعاب الشهيرة SIE -فرع سوني للألعاب- المصنِّعة لـPlaystation، وكَذَا شركة الشاشات والحواسيب الشهيرة Acer= جميعها تمتلك مدوَّنةً للحديث عن الجديد عندها وتسويق محتواها.

هذه أمثلةٌ فحسب على شركات تنتهج هذا النهج، وليس القصد الحصر، فهي كثيرة.

انتبه! قد تتصوَّر أن هذه الشركات، ببساطة، تنشُرُ إعلاناتها للجديد من منتجاتها وسُبُل شرائها، لا، ليس ما تتصوره صحيحًا. انظر إلى هذا المثال لمخرج الألعاب فيل كريفو يتحدَّث عن لعبته الجديدة وصناعتها ويُعطي معلوماتٍ تُثير اهتمام اللاعب بها، مما قد يدفعه لشرائها، ويربط اللاعب بالمخرج مباشرةً كما قلنا في بداية المقال.

ههنا أيضًا، مقالة على مدوَّنة Acer تتناول دراسةً تتعلَّقُ بتطوُّر العلاقة بين الطَّلبة نتيجةً لمشاركتهم في ألعاب التعاون – Co-op، أمرٌ لا علاقةَ مباشرةً له بالشاشات والحواسيب مُطلَقًا، لكنه مثالٌ في مدوَّنة Acer على ما قلناه من تجاوز ما تكتبه لمُنتجاتك الحالية.

اكتُب ولا تتوقَّف ما دام عندك ما تقدِّمُه.

وجود مقالاتٍ لك بصفةٍ مستمرَّةٍ يعزز من تعرُّض المتلقِّي لمحتواك، خلافًا للاقتصار على صفحة تعرض فيها منتجاتك المدفوعة فقط، هذا يُشعر المستخدم بنوعٍ من الوحشة وانعدام الألفة بينك وبينه.

من التقنيَّات النافعة في هذا الشأنِ أيضًا: تنويع النَّشر، شارك محتواك على حساباتك المختلفة في مواقع التواصل، واطلب من زملائك وأصدقائك النشر أيضًا، لا بُدَّ أن يكون لك نشاط واتصال مع الناس في هذه التطبيقات والمواقع.

تنويع النَّشر لا يعني مشاركةَ محتواك على حساباتك المختلفة فحسب، بل يعني النشر بأساليب مختلفة، مثلًا بوسعك أن تحوِّل مقالتك إلى مقطع فيديو على يوتيوب على أن تُراعِيَ الفرق بين المنصَّتين، ولا يكونَ مقطعك محضُ قراءة، إعادة هيكلة المحتوى ليناسب قوالب وأساليب مختلفة ضروريّ في هذا.

مراعاة الجانب البصريّ في كتاباتك مهمٌّ كذلك، إضافة الصور التوضيحية والرسوم البيانية بحسب احتياج المقالة أو المحتوى عمومًا يُساعد كثيرًا في التلقِّي الحسن، يُمكنك مثلًا تحويل مقالةٍ لك إلى رسمٍ توضيحيّ ونشره معها وعلى منصات أخرى.

مواقع مثل Canva ستعينُكَ كثيرًا على هذا، لا يجب أن تمتلك معرفةً تصميميةً كبيرةً أو تكون على إلمامٍ بالفوتوشوب.

الكتابة في المواقع الأخرى فضلًا عن مدوَّنتك أيضًا خيارٌ جيِّدٌ، حتى مجانًا؛ الغرض من ذلك توسيع دائرة المتصفِّحين المتعرِّضين لمحتواك، يُمكنك أن تُشير إلى أعمالك ونشاطك من خلال هذه المقالات المجانيَّة وتكسب جمهورًا أكبر لمدونتك ومحتواك.

تقنيَّات تحسين محرِّكات البحث (السيو) ضروريَّةٌ جدًّا في هذا أيضًا، ولا بُدّ من استغلالها ليُدفع محتواك إلى حيث يراه المتصفِّح، ولا يكون جهدًا ضائعًا لا يراه إلا قلَّة.

تقنيَّةٌ أخرى نافعةٌ أيضًا هي استغلال القوائم البريديَّة، ضع لمتصفِّحي مدوَّنتِك أو موقعك الخيار دائمًا للاشتراك في القائمة البريديَّة ليصل إليهم كلُّ جديدٍ من مقالةٍ أو دورات، ذكِّرهم بهذا الخيار في نهايات المقالات فضلًا عن وضعه واضحًا في الموقع.

لا بُدّ من متابعة المشتركين في قائمتك البريديَّة، لاحظ أنَّ المشتركَ في قائمتك البريديَّة أساسًا اشترك بسببِ اهتمامه بما تقدِّمه، ومِن ثَمّ فهو مهتمٌّ بكلِّ جديدٍ تقدِّمه، استغلّ هذه القائمة البريديَّة في إرسال الجديد حول دوراتك.

إجمالًا، ستجدُ حسب تجربتك وتطوُّرها كثيرًا من الإجراءات التي ينفعك تنفيذها وتنطبق على حالتك، وكلَّما حسَّنتَ تجربة المستخدم معك تحسَّن رِبحُك.

تذكَّر الشركات العملاقة التي لم تمنعها أرباحها من الاستثمار في هذا الأسلوب واستغلاله، لا تنظر للأمر على أنك تقدِّم محتوى مجانيّ يُمكنك بيعه، بل أنك تتيح للناس بوَّابةً إلى محتواك المدفوع.

أنشئ موقعك التعليمي الخاص

وابدأ بيع دوراتك التدريبية أونلاين في أقل من دقيقة.

14 يومًا تجريبيًّا، دون ادخال بيانات الدفع.

شارك المقال

4 تعليقات

اترك ردّاً